تشهد الجزائر يوم الأحد الموافق ل 01 نونبر 2020 يوما استثنائي، وهو اليوم الذي سوف يقوم به الشعب الجزائري بالتصويت على دستور جديد للبلاد، بعدما تم تقديم مسودته من طرف الرئيس عبد المجيد تبون بعد خمسة أشهر من توليه منصب رئاسة الجمهورية الجزائرية. قبل التطرق الى الحديث عن محاور مشروع الدستور لا بد من إعطاء نبده تاريخية عن الدساتير الجزائرية.
فأول دستور عرفته دولة الجزائر كان في عهد الرئيس أحمد بن بلة عام 1963 ومنذ ذلك الحين، يتم إقرار دستور جديد أو إجراء تعديل دستوري كل عقد تقريبا، ويقترن ذلك في كل مرة بالتغيير الحاصل في اعلى هرم السلطة في البلاد ،بحيث يبدو أن كل رئيس يحرص على وضع لمسته الدستورية الخاصة به.
فقد قدم هواري بومدين دستوره للاستفتاء عام 1976 و الذي عدل في سنوات 1979،1980،1988 ثم الشاذلي بن جديد عام 1989 بمناسبة الانفتاح الديمقراطي الذي أعقب انتفاضة أكتوبر 1988، وبعد وقف المسار الانتخابي وإلغاء نتائج تشريعيات دجنبر 1991 ودخول البلاد في دوامة العنف المسلح، تم إقرار دستور جديد في عهد الرئيس اليمني زروال عام 1996 ،ويمثل هذا الدستور أرضية كل التعديلات التي تمت بعد ذلك تلات مرات في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة خلال سنوات 2002، 2008، 2016 وأخيرا مشروع التعديل الذي قدمه للنقاش في الساحة السياسية الجزائرية الرئيس الجديد عبد المجيد تبون، الذي سوف يصوت عليه الجزائريين غالبا بنعم.
وتضمنت المسودة النهائية للدستور الجديد ستة محاور تتعلق بالحقوق الأساسية والحريات العامة والفصل بين السلطات والسلطة القضائية والمحكمة الدستورية والوقاية من الفساد ومكافحته والسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات. بالنسبة للمحور الأول المتعلق بالحقوق الأساسية و الحريات العامة فتضمنت المسودة عدة مقترحات من بينها، ادراج حكم بإلزام السلطات والهيئات العمومية باحترام الأحكام الدستورية ذات الصلة بالحقوق الأساسية والحريات العامة والنص على عدم تقييد الحقوق الاساسية والحريات العامة إلا بموجب قانون ولأسباب مرتبطة بحفظ النظام العام, أو حماية حقوق وحريات أخرى يكرسها الدستور، تم الحق في التعويض عن التوقيف والحبس المؤقت، وأيضا حماية الأشخاص الطبيعية عند معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، بالإضافة الى حماية ممارسة العبادات دون تمييز، وإقرار مبدأ التصريح لممارسة حرية الاجتماع والتظاهر، إقرار مبدأ التصريح لإنشاء الجمعيات ومبدأ عدم حلها إلا بقرار قضائي، كذلك دسترة حرية الصحافة بكل أشكالها ومنع الرقابة القبلية عليها، وإلزام الدولة بضمان جودة العلاج واستمرارية الخدمات الصحية، وأخيرا تكريس مبدأ حياد المؤسسات التربوية.
أما المحور الثاني فهو يدور حول، الشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته ، بحيث أوصى الرئيس اللجنة أن تقوم بدراسة واقتراح آليات من شأنها تفادي تضارب المصالح بين ممارسة المسؤوليات العمومية وتسيير العمل وذلك من أجل إبعاد نفوذ المال عن تسيير الشؤون العامة كما أوصى أيضا بضرورة إيجاد الوسائل الكفيلة بتعزيز آليات الوقاية من الفساد ومكافحته، بما في ذلك إشراك المجتمع المدني في عمل التطهير العمومي، وأن يتوسع التفكير إلى إعادة الاعتبار لمؤسسات الرقابة وتقويتها، بما يضفي على نشاطها فعالية أكبر في حماية الممتلكات والأموال العامة.
في حين يتصل المحور الثالث بتعزيز الفصل بين السلطات و توازنها ، حيت جاءت المسودة بإمكانية تعيين رئيس الجمهورية من تعيين نائب له و هو منصب يحدث لأول مرة ، وتقوية مركز رئيس الحكومة ، تم إقرار حق المحكمة الدستورية في رقابة القرارات المتخذة أثناء الحالة الاستثنائية، وأيضا إقرار التصويت داخل البرلمان بحضور أغلبية الأعضاء ، نجد أيضا حصر العهدة البرلمانية في عهدتين فقط، تم التمييز في الاستفادة من الحصانة البرلمانية بين الأعمال المرتبطة بممارسة العهدة وتلك الخارجة عنها، وإلغاء حق التشريع بأوامر خلال العطل البرلمانية، بالإضافة الى إلزام الحكومة بإرفاق مشاريع القوانين بمشاريع النصوص التطبيقية لها، تم إلزام الحكومة بتقديم المستندات والوثائق الضرورية الى البرلمان لممارسة مهامه الرقابية، و في الأخير إقرار إمكانية ترتيب مسؤولية الحكومة على إثر استجواب. واما المحور الرابع الذي يهتم بتعزيز استقلالية السلطة القضائية، انطلاقا من كون العدالة إحدى ركائز دولة الحق والقانون، كما أنها يجب أن تمارس بكل استقلالية مع احترام القانون، بعيدا عن كل ضغط أو تأثير ، وهو الهدف الذي لا يمكن تحقيقه دون توفير حماية حقيقية للقاضي.
من ناحية أخرى يخص المحور الخامس، المحكمة الدستورية ، بحيث جاء في مشروع الدستور على ، إقرار المحكمة الدستورية بدلا من المجلس الدستوري ، وتعديل تشكيلة المحكمة الدستورية لاسيما طريقة تعيين أعضائها، تم توسيع الرقابة الدستورية إلى الأوامر, وإلى رقابة توافق القوانين والتنظيمات مع المعاهدات، بالإضافة الى إقرار الرقابة الدستورية البعدية على الأوامر والتنظيمات، وأيضا إقرار حق طلب الهيئات في طلب رأي تفسيري من المحكمة الدستورية، ومقترح تكريس اختصاص المحكمة الدستورية بالنظر في مختلف الخلافات التي قد تحدث بين السلطات الدستورية بعد إخطار الجهات المختصة، تم أخيرا توسيع رقابة الدفع لتشمل التنظيم إلى جانب القانون.
وعلى مستوى المحور السادس نجد السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات ، بحيث أوضح خطاب التكليف أن الأمر يتعلق أولًا بـإعطاء سند دستوري للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، وإلغاء الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات المستحدثة في التعديل الدستوري سنة 2016 التي ملم يعد لمهمتها أي مغزى، بما أن تنظيم الانتخابات أضحى الآن من اختصاص سلطة مستقلة منبثقة حصريا عن المجتمع المدني . لكن أكثر المواد الدستورية المثيرة للجدل، والتي تلقت اعتراضاً كبيراً من قبل قوى إسلامية ومحافظة، تتعلق بإدراج اللغة الأمازيغية ضمن الأحكام التي لا تخضع للتعديل الدستوري، وإبقائها كلغة وطنية ورسمية، بينما تعارض هذه القوى اعتبارها لغة رسمية وتعتبر أن وجود لغتين رسميتين للجزائر في الدستور مسألة غير مقبولة، وتطالب باعتبارها مكوناً للهوية وليس لغة رسمية، وكذا البند المتعلق بتكريس مبدأ حياد المؤسسات التربوية وإبعادها عن السجال السياسي والأيديولوجي.
بالإضافة الى جميع هذه المقترحات، اتى مشروع دستور الجزائر لسنة 2020 بمقترح لابد من الوقوف عنده. فهو يتعلق بإمكانية إرسال وحدات عسكرية إلى الخارج بعد موافقة البرلمان الجزائري، واذا ربطنا هذا المقترح مع قضية الصحراء المغربية ، وكما نعلم أن الجزائر متبنية لطرح جبهة البوليساريو بما يعرف (بتقرير المصير)،الشيء الذي لا يمكن فهمه إلا باستحضار خصائص النظرية الواقعية و التي من بينها المصلحة و الفوضى الدولية ، ومن خلاله نستطيع معرفة نوايا الجزائر اليوم اتجاه الصحراء المغربية، وما تقدمه من دعم لعصابات البوليساريو، وهذه المسألة خطيرة، وتحوي في طياتها تغرة قانونية ستستعمل في خدمة أجندات الجيش الجزائري والبوليساريو، وليس في حفظ السلم كما يبرُز في سطحية فصول مشروع الدستور.









