اصوات نيوز-متابعة
تحولت أزمة ندرة عجلات السيارات في الجزائر إلى واجهة جديدة للأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، بعدما أصبح الحصول على إطارات جديدة يخضع لنظام حصص وإجراءات إدارية غير مسبوقة، في ظل سياسة تقليص الواردات التي تبنتها الحكومة للحفاظ على احتياطي العملة الصعبة.
هذه الأزمة، التي يعتبرها كثير من الجزائريين “قضية وطنية”، كشفت هشاشة السوق المحلي واعتماده شبه الكلي على الاستيراد، مقابل غياب بدائل صناعية قادرة على تغطية الطلب الداخلي.
وفرضت السلطات الجزائرية نظام “الكوطة” على استيراد العجلات، في خطوة وُصفت بالغريبة عالميا، حيث بات المواطن مطالبا بالتسجيل عبر منصة تابعة لمؤسسة “نفطال” للحصول على عجلتين فقط كل ستة أشهر، دون إمكانية اقتناء أكثر من ذلك. وأدى هذا الإجراء إلى خلق فجوة واسعة بين حجم الطلب والكميات المتوفرة، ما تسبب في ارتفاع كبير للأسعار وانتعاش السوق السوداء، إضافة إلى لجوء عدد من السائقين لاستعمال عجلات مستعملة أو مهترئة تهدد السلامة الطرقية.
وتعود جذور الأزمة إلى تراجع احتياطات الصرف وانخفاض قيمة الدينار الجزائري، وهو ما دفع الحكومة إلى تشديد القيود على الاستيراد وتقليص النفقات بالعملة الصعبة. ورغم أن هذه السياسة قُدمت باعتبارها خطوة لحماية الاقتصاد وتشجيع الإنتاج المحلي، إلا أن الواقع أظهر غياب صناعة وطنية قادرة على تعويض الواردات، لتتحول الأسواق إلى فضاءات تعاني من الندرة وارتفاع الأسعار.
ولم تقتصر تداعيات هذه السياسة على العجلات فقط، بل امتدت إلى السيارات وقطع الغيار والأجهزة الإلكترونية، حيث شهدت الأسعار مستويات قياسية بسبب نقص العرض والمضاربات. كما أدى غياب القطع الأصلية إلى تعطل عدد كبير من المركبات والشاحنات، ما أثر على حركة النقل وسلاسل الإمداد داخل البلاد.
ووضعت سياسة “غلق صنبور الاستيراد” المواطن الجزائري أمام معادلة صعبة، بين حماية خزينة الدولة من استنزاف العملة الصعبة وبين تراجع جودة الحياة اليومية. ففي وقت توجه فيه الحكومة جزءا كبيرا من الإنفاق نحو قطاعات استراتيجية، أبرزها الدفاع الذي بلغت ميزانيته وفق قانون مالية 2026 حوالي 25 مليار دولار، يجد المواطن نفسه عاجزا عن توفير أبسط مستلزمات التنقل الآمن.
كما ساهمت ندرة العجلات وارتفاع أسعارها في زيادة المخاطر المرتبطة بحوادث السير، إذ يضطر كثير من أصحاب السيارات إلى الاستمرار في استعمال إطارات متهالكة بسبب غياب البدائل أو ارتفاع تكلفتها بشكل يفوق قدرتهم الشرائية.
وتعكس أزمة العجلات في الجزائر اختلالات هيكلية أعمق في النموذج الاقتصادي المعتمد، حيث أدى تقليص الواردات دون بناء قاعدة صناعية قوية إلى نتائج عكسية، جعلت من سلعة أساسية مرتبطة بالأمن والسلامة موضوعا للإجراءات الإدارية والطوابير، في مشهد يعكس حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد.










