أصواتنيوز / الصباح
بأفول نجم هذه السنة يكون سكان المخيمات قد أكملوا عامهم الخامس والأربعين على بطحاء تندوف القاسية، في الظروف البئيسة نفسها حتى وإن اختلفت الأساليب، إلا أن الأوضاع داخل المخيم ما زالت نفسها منذ التهجير القسري، الذي قامت به الجزائر والبوليساريو في حق السكان الصحراويين باتجاه الحدود، في مأساة ستظل وصمة عار على جبين المجتمع الدولي الصامت، ما بقيت خيمة واحدة في تلك الأرض الحارقة للبشر والحجر.
كانت 2018 السنة الثالثة لإبراهيم غالي على رأس الجبهة، و كانت أيضا سنة التصدعات الداخلية والأزمات الاجتماعية والقبلية و عودة مسلسل التصفيات و السجون، و التدخلات الجزائرية المباشرة في ملفات تعتبر شأنا داخليا بالنسبة لبوليساريو، ويمكن تسمية هذه السنة ببداية الانهيار أو السقوط الحر لجبهة بوليساريو، أو على الأقل الجناح التقليدي الذي يبدو أنه أصبح مؤمنا بحتمية الرحيل من المهد، رغم محاولته كسب بعض الوقت حتى وإن كلفه ذلك خسارة مربعات كانت إلى وقت قريب تعتبر نقاط قوته، كبعض القبائل التي اعتبرها الزعيم السابق حاضنة أمينة وحصنا متينا للبقاء في السلطة، و كذا بعض جنرالات الحليف التقليدي، والذي يبدو أن الدولة العميقة في الجزائر شرعت في التخلص منهم شيئا فشيئا في إطار التحضيرات لمرحلة ما بعد بوتفليقة.
فمع بداية السنة الماضية، اشتعلت المخيمات بموجة من الاحتجاجات بدأت شرارتها بمظاهرة أمام مكتب زعيم الجبهة للتنديد باعتقال المدعو محمد لغظف أحمدناه بميناء مستغانم الجزائرية، في ظروف غامضة لم تتجل بعد خيوطها، حيث شارك فيها أفراد و أعيان من قبيلة هذا الأخير، الذين طالبوا ابراهيم غالي بالتدخل في قضية ابن عمومتهم الذي ليست له أي علاقة بتهريب السيارات ولا يقوم بأي نشاط سياسي أو عسكري يدفع السلطات الجزائرية إلى اعتقاله من أجله، قبل أن يقوم أفراد عائلة شماد اجعيدر، بالتزامن مع ذلك، بنصب مخيم احتجاجي للمطالبة بنقل والدهم الى الخارج لتلقي العلاج، بعدما ظل منسيا بمستشفى عين النعجة، دون أدنى عناية طبية أو التفاتة إنسانية إلى أن تلقفته مخالب الموت، هذا في الوقت الذي تمنح فيه تأشيرات السفر للخارج لخليلات و عشيقات قادة بوليساريو للاستجمام و التبضع من الماركات العالمية، على نفقة الجبهة، وتسهيل حصولهن على وثائق الإقامة في الخارج على أساس أنهن مريضات يحتاجون للعلاج.
و في مطلع فبراير ومع بداية شروع الجزائر في تنفيذ مشروع المعبر على الحدود مع موريتانيا، بدأ مسلسل المعاناة بالنسبة للتجار الصحراويين، الذين يمتهنون تجارة العجائن و بعض المواد الاستهلاكية، والتي هي في الغالب مساعدات إنسانية يتم بيعها في الأسواق الموريتانية ليتم جلب مقابلها بعض السلع والبضائع، كالملابس إلى المخيمات، فقد فرضت الجزائر وموريتانيا إجراءات صارمة على هؤلاء التجار أدت في بعض الأحيان إلى حجز شاحناتهم وسجنهم بتهم غير منطقية، أدت بهم إلى التظاهر والاحتجاج على هذه الممارسات التي ظهرت فقط عندما بدأت الجزائر في فتح معبرها المزعوم، حيث كان تعامل إدارة غالي مع ملف التجار جد مخجل وعرى حقيقته “كرئيس” بدون صلاحيات حيث كشفت هذه الأزمة بأنه لا يحظى بأي قيمة، و هو ما يفسر عدم لقائه بالرئيس بوتفليقة رغم مرور ثلاثة سنوات على تنصيبه.
و في بداية مارس 2018، و في خطوة متوقعة أنهى إبراهيم غالي مهام خصمه التقليدي عبد القادر طالب عمر من على رأس الوزارة الأولى، و عين رفيقه المقرب محمد أعكيك مكانه، و هي الخطوة التي أعطت الإشارة الرسمية لانطلاق موجة التحالفات و الانشقاقات، داخل الجبهة المتصدعة أصلا، بعد تولي غالي زمام الأمور منتصف يونيو 2016، حيث بدى جليا أن هذا الأخير يريد إحداث بطانة جديدة، الأمر الذي أغضب الجزائر التي لا تريد حدوث أي اهتزاز قد يشكل عائقا أمام الترويج خارجيا لصورة بوليساريو، التي لم تتأثر برحيل محمد عبد العزيز، و أرغمت غالي على تعيين الطالب عمر سفيرا لديها، كي يبقى بعيدا عن ساحات المعارك الداخلية، والتي يجيدها الرجل جيدا.
و على المستوى الشعبي، فقد توالت الهزائم النفسية التي تلقاها سكان المخيم بسبب عدم وجود أي بوادر للحل، بالموازاة مع موجة الغلاء و التناقص الرهيب في السلة الغذائية للمساعدات الإنسانية بفعل انسحاب العديد من المنظمات احتجاجا على فساد أعضاء مؤسسة هلال الجبهة، وعلى رأسهم يحيى بوحبيني، و كذلك فشل قيادة الجبهة في توفير ضروريات الحياة كالماء، حيث لا تزال موجات من العطش تضرب المخيمات صيفا وشتاء رغم الإمكانيات الهائلة التي قالت مفوضية غوث اللاجئين بتندوف إنها وفرتها في هذا الاتجاه. كما أن 2018 حملت أيضا هما آخر لسكان المخيمات بتندوف، حيث تم إثقال كاهلهم بمبالغ كبيرة مقابل تزويدهم بالكهرباء، في خطوة غير أخلاقية ولا إنسانية، حيث إن أوضاع الصحراويين بالجزائر تعتبر الأسوأ من بين أوضاع اللاجئين في العالم، ومع ذلك أصرت بوليساريو على تغريمهم، في تعارض تام مع حقوق اللاجئين والتزامات دولة اللجوء البترولية.
تقرير الأمين العام في أكتوبر فتح، أيضا، فصلا جديدا من الصراع الداخلي بين أقطاب الجبهة، فقد قال غوتيريس في تقريره إن غالي تعهد لمبعوثه الشخصي بعدم نقل أي منشأة مدنية أو عسكرية إلى المنطقة العازلة، و نفى عزم الجبهة القيام بأي عمل عسكري مهما كان حجمه في تلك المناطق، و هو ما كسر أسطورة الأراضي المحررة و دحض السيادة المزعومة عليها، الأمر الذي جعل جناح البشير مصطفى السيد ينعت غالي بالضعيف و غير القادر على مقاومة الضغط الأممي و الرضوخ للابتزازات الجزائرية، التي تعهدت لكوهلر بضمان تلطيف شدة خطاب الجبهة، و هو ما حصل فعلا.
طاولة جنيف أيضا حملت رسالة واضحة لقيادة الجبهة، فقد أظهرت عدم تجاوب السكان مع الانتصارات الوهمية التي يسوقها إعلام القيادة، و التي هي مجرد جرعات مسكنة لم يعد لها مفعول، حيث أصبح القاصي و الداني يعلم علم اليقين أن الأمر يتعلق بمناورات هدفها إطالة أمد النزاع، من أجل المحافظة على كراسيهم تحت ظلال الرفاهية الجزائرية، و التي يبدو أنها تعيش آخر فصولها…









