لا يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تتخذ قرارا بحجم الاعتراف بمغربية الصحراء دون أن يكون لها سند، والسند الذي لم ينتبه له كثيرون، هو بناء الموقف الأمريكي بناء على تاريخ السلطان محمد الثالث، الذي كان أول سلطان مغربي يعترف بـ”أمريكية” الولايات المتحدة، وهو ما أكده بلاغ ترامب الذي نوه بكون المغرب أول دولة تعترف بأمريكا..وإذا رجعنا إلى أيام محمد الثالث، فسنجد أنه هو ((سلطان المغرب الذي حرر مازاغان من يد البرتغال، وانتصر سنة 1179هـ – 1765م في معركة العرائش على الجيش الفرنسي، وكان أول حاكم يعترف باستقلال وسيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ورفض ربط علاقات دبلوماسية مع روسيا.. وبعث بالعديد من السفراء لاسترجاع المخطوطات العربية من إسبانيا، خصوصا الخزانة الزيدانية)).في زمن محمد الثالث كانت للمغرب هيبة قوية إزاء أوروبا، وقتها لم تكن هناك انتخابات ولا صناديق اقتراع، بل كانت البيعة هي الرابط بين الملك وشعبه، لذلك فالصحراء مغربية بحكم البيعة، وهذا الاعتراف الأمريكي يأتي ليزكي شرعية البيعة.. والقرار الأمريكي قرار سيادي، لا يجوز التطاول عليه، حتى من بعض موظفي الأمم المتحدة أنفسهم، لأن هذه المنظمة لا تلغي سيادة الدول المنتمية إليها(..).وللملكية جنود لا يغفلون هذه الجزئيات، والنموذج من الدكتورة بهيجة سيمو، مديرة الوثائق الملكية، التي سبق أن وضعت رهن إشارة المغاربة والأجانب، مؤلفا ضخما تحت عنوان: “البيعة ميثاق مستمر بين الملك والشعب”.تقول بهيجة سيمو في كتابها، أن البيعة في المغرب تتخذ من الخلافة الإسلامية مرجعية شرعية لها باعتبارها الإطار التنظيمي للحكم، وتشير جميع البيعات إلى أهمية هاته المنظومة في تدبير شؤون الأمة، وتضيف بأن البيعة تكرم آل البيت وتجعلهم أهلا للملك والخلافة، ((حيث أجرى الله الأقدار على حسب ما اقتضاه حكمه وعدله، واطلع الملك في فلك الشرف شمسا لائحة الأنوار، وفَرَّع من دوحة النبوة فروعا طيبة شامخة القدر والمقدار.. اصطفى من عالم الكون قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، وأتاهم الملك والحكمة والله يوتي ملكه من يشاء)) (مقتطف من بيعة أهل فاس للسلطان مولاي الحسن، عن كتاب البيعة ميثاق مستمر بين الملك والشعب).ولا تقف أهمية البيعة عند حدود كونها نصوصا بالغة الأهمية من حيث بلاغتها اللغوية وقيمتها التاريخية، بل يمكن اعتبار نصوص البيعة من بين الوسائل التي تؤكد مغربية الصحراء، والتي يمكن الرجوع إليها في الفترة الراهنة، طالما أن الرقي بالعلاقات المغربية الأمريكية يستند إلى التاريخ، وإلى الصداقة القديمة بين الشعبين، حيث يمكن تأكيد مغربية الصحراء ((من خلال نصوص بيعتها لقبائل السلاطين والملوك العلويين، ومنها بيعة قبائل أهل الساحل، وأولاد ادليم، وبربوش، والمغافرة، وأولاد مطاع، وجرار.. وغيرها، للمولى إسماعيل سنة 1976م، وذلك بواسطة حركته لناحية سوس وصحرائها، حيث تزوج خناتة بنت بكار المغفرية، وتندرج في نفس السياق، بيعة أهل توات للسلطان مولاي عبد الله بن مولاي إسماعيل سنة 1728 ميلادية، وبيعة الشيخ المختار الكتاني للسلطان مولاي عبد الرحمن، وبيعة ابنة الشيخ أحمد البكاي للسلطان نفسه، وبيعة إمام تندوف الشيخ محمد بن المختار بن لعمش الجنكي، التي يعلن فيها عن بيعة هذا الإقليم للسلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن، إلى غير ذلك من البيعات الصحراوية التي ظلت مسترسلة إلى اليوم)) حسب مؤلف الدكتورة بهيجة سيمو.
بهيجة سيمويذكر أن ما يميز البيعة في المغرب، فضلا عن ارتباطها بالنسب الشريف، هو كونها تتميز بخلاف باقي الدول الإسلامية، بأنها بيعة مكتوبة ((ذلك أن المغرب هو الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي لم تكتف بالبيعة الشفوية))، ويتم توثيقها بإشراف العدول كما هو الشأن بالنسبة لبيعة الملك محمد السادس، والمؤرخة بتاريخ 23 يوليوز 1999م، والتي جاء فيها: ((.. وإنه لما قضى الله بوفاة أمير المؤمنين، ابن أمير المؤمنين وإمام المسلمين في هذا البلد الأمين، جلالة الملك الحسن بن محمد بن يوسف بن الحسن قدس الله روحه وطيب ثراه وعطر بأريج الرحمة مثواه، ولما كانت بيعته الشرعية في أعناق المغاربة جميعا من طنجة إلى الكويرة، وكانت البيعة من الشرع هي الرابطة المقدسة التي تجمع المؤمنين بأميرهم وتوثق الصلة بين المسلمين وإمامهم، وكان فيها ضمان حقوق الراعي والرعية.. فإن أصحاب السمو والأمراء وعلماء الأمة ومستشاريها ورؤساء الأحزاب السياسية وكبار رجالات الدولة وكبار ضباط القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية، الموقعين أسفله، يقدمون بيعتهم الشرعية لخلفه ووارث سره، أمير المؤمنين سيدنا محمد بن الحسن بن يوسف بن الحسن)) (مقتطف من وثيقة البيعة).يذكر أن المغرب سبق أن نبه العالم إلى طبيعة العلاقة القانونية بين السلطان والصحراء، من خلال استصدار رأي استشاري من محكمة العدل الدولية يؤكد فيه وجود روابط بين القبائل الصحراوية وسلطان المغرب.. إن الباحث والخبير الدولي، على سبيل المثال، هشام الشرقاوي، سبق أن أكد وجود إهمال ينبغي تداركه مستقبلا في كل المرافعات حول مغربية الصحراء، منذ صدور الرأي الاستشاري عن محكمة العدل الدولية في لاهاي، متسائلا: ((واش مقدرناش من سنة 1975 نلقاو أدلة جديدة على مغربية الصحراء؟)).. هكذا تحدث الشرقاوي، قبل أن يضيف بأن ((الدولة ملزمة بأن تأخذ بعين الاعتبار مجهودات الباحثين والأكاديميين الذين يشتغلون على القضية في صمت دون أن ينتبه إليهم أحد))..وحسب الشرقاوي، فالخلاف حول تصور شكل الدولة بين النظرة الغربية وبين النظرة المغربية، يقتضي تقديم أدلة جديدة للمنتظم الدولي، لدعم مسار قضية الصحراء في الأمم المتحدة، أو في ما يخص الدول التي يجب إقناعها بسحب اعترافها بالجمهورية المزعومة، حسب الشرقاوي، الذي يؤكد أيضا، أن ((المقاربة القانونية في ملف الصحراء، من بين المداخل الأساسية لتشكيل وإقناع جماعات ضغط دولية فاعلة في صناعة القرار الأممي، كما يمكن الترافع بها في إطار الدبلوماسية الموازية للمجتمع المدني والفاعلين السياسيين والأكاديميين)).. هكذا يتحدث الشرقاوي، وقبله تحدثت بهيجة سيمو، مديرة الوثائق الملكية.









