أصوات نيوز//إعداد عبد السلام انويكًة باحث في تاريخ المغرب
سهلت فترات قلة مؤونة وجفاف ومجاعة وغيرها، انتشار جملة أوبئة خلال مغرب القرن التاسع عشر كانت بأثر في نزيف ديمغرافي كبير. وفي هذا الاطار كان أجانب بعض مدن البلاد بدور في تغيير نظام الوقاية منها، فضلاً عن ضغوط قنصليات أيضاً كانت بأثر في دفع المخزن لتبني اجراءات صحية وتدابير أكثر نجاعة. فبسبب انتشار وباء الكوليرا مثلاً نهاية ستينات هذا القرن، تم منع نزول حجاج مغاربة قادمين من الديار المقدسة إثر ضغوط دبلوماسيين أجانب بطنجة، ليجبر هؤلاء على قضاء حجر صحي بجزيرة الصويرة طيلة عقود لاحقة، علماً أن كثيراً منهم كانوا يتعرضون للهلاك بها من شدة الحرمان والاهمال وليس بالوباء. وقد شكلت ظروف نقل حجاج المغرب عبر سفن مكدسة، بيئة مساعدة على تفشي الأوبئة في صفوفهم مما دفع لإلزامهم بإجراءات صحية صارمة. وكان هؤلاء خلال هذه الفترة ملزمين بعد أداء فريضتهم بقضاء حجر صحي أول بمنطقة “طور” بسيناء، ثم حجر صحي ثان في جزيرة الصويرة بالمغرب بعد عودتهم. وكانت القوانين الصحية الجاري بها العمل آنذاك تنص على التزام سفن حجاج مشكوك في حالتها الصحية، بالتوجه الى جزيرة الصويرة من أجل حجر صحي بها لمدة أسبوعين، كلها متاعب كانت تنضاف لِما كان يتعرض له الحجاج في تنقلاتهم عبر البحر وعلى متن سفن كانت بشروط سفر غير مناسبة. ويسجل أنه رغم ما كانت عليه جزيرة الصويرة من ظروف مجالية مناسبة للقيام بدور حجر صحي، فإن بعدها عن طنجة كنقطة بحرية أساسية لتفريق حجاج البلاد باتجاه مدنهم ومناطقهم عمق من صعاب وأخطار هؤلاء. ناهيك عما كانوا يتعرضون له عند إنزالهم من السفن في ظروف صعبة، بحيث لم يكن من السهل وصولهم الى الجزيرة فكثيراً ما كانت الصخور المحيطة بها تتسبب لهم في أدى كبير وصفه أحد الأجانب قائلاً : “إن أقسى القلوب لترق لرؤية هؤلاء الأشقياء والدم ينزف من سيقانهم العارية، يتسلقون الصخور كقطيع مضطهد.” وأحياناً كان يتعذر الاتصال بهذه الجزيرة خلال فترات رديئة مناخياً، مما كان يعرض حياة الحجاج بها لأخطار عدة منها الجوع، علماً أنها لم تكن قادرة على استقبال أكثر من ألف حاج لعدم استواء سطحها. وغالباً ما لم يكن يتم الالتزام بهذا العدد بحيث كان يصل أحياناً الى أربعة آلاف حاج مقيم بها، ومن هنا ما كان ينتشر بها من وباء وقلة تغذية وقد حصل أن عصف بها وباء كوليرا في بداية تسعينات القرن التاسع عشر. وممن كان مكلفاً بدراسة تنظيم محاجر صحية خاصة بحجاج عائدين بطنجة، هناك “لوسيان رونو” بتكليف من قِبل وزارة الخارجية الفرنسية، وقد استغل هذه فترة اقامته بالمغرب وطنجة تحديداً لجمع معطيات كثيرة حول وضع الحجر الصحي بالمغرب، وهو ما مكنته من إعداد دراسات عدة في هذا الشأن. وقد تحولت جزيرة الصويرة الى محجر صحي بموافقة السلطان محمد بن عبد الرحمن بموجب ظهير كان يخص فقط حجاج موبوئين لا غير، وهو ما ظل العمل به سارياً الى غاية فترة حكم السلطان الحسن الأول. بل تقرر من قِبل المجلس الصحي بطنجة في عهد خلفه اغلاق ميناءها وباقي موانئ البلاد نهائياً، في وجه سفن الحجاج العائدة وعدم الترخيص لها بإنزال ركابها سوى في جزيرة الصويرة. وهو الاجراء الذي أثار استنكار السلطان عبد العزيز من خلال رسالة له وجهها لنائبه محمد الطريس بطنجة، إلا أن المجلس الصحي بالمدينة تشبت بقراره لدرجة دفعت مولاي عبد العزيز للتهديد بمنع الحج نهائياً لهذا السبب. وكان رأي سلطان المغرب وراء أخذ ورد بين المخزن والمجلس الصحي، انتهى بقبول منع الحجاج المغاربة من أداء الفريضة أورد حوله مولاي عبد العزيز في رسالة له :” فإن لم يسلموا ما تضمنه كتابنا الصادر لك صريحاً في تقييد النزول بالجزيرة وتعيين الطبيب بالسنة الوخيمة، فلا سبيل في لانتهاك حرمات الدين بتعمد الاقدام على اسلام المسلمين ليفعل بهم في ديارهم ما لا وجه لإباحته. ويتعين حينئذ ارتكاب أحد أمرين إما المنع من الركوب الى الحج أصالة بعد بنائه على أساس شرعي..وإما أن يرجع للوجه الذي وقع الاتفاق عليه أولاً، بأن تكون تكتب لوكيل مصر ليعلمك عند ايابهم.. بحال الحجاج بحيث اذا كان فيهم مرض وخم تعلم به أنت خدامنا أمناء الصويرة ليهيئوا تنظيف المحل، وتعيين الطبيب واحداً أو إثنين والماء والقوت ومن يقابلهم بالجزيرة حتى يخرجوا منها.” وكان سلطان المغرب كما يتبين من الرسالة، عازماً على منع الحج خلال هذه الفترة من القرن التاسع عشر في حالة تمادي مجلس طنجة الصحي في تحديه. غير أن علم هذا الأخير بظهور الطاعون في الهند ودعوته السلطان لمنع الحج، جعل مولاي عبد العزيز يستجيب بعد موافقة علماء مراكش، حيث تم أمر عمال المدن والمراسي بمنع الناس من التوجه للمشرق عام 1897. وتعود أولى محاولات إحداث محاجر صحية بالمغرب الى نهاية القرن الثامن عشر، لمَّا وقع الاختيار على قلاع قرب تطوان وسبتة وطنجة، قبل اتخاذ قرار جعل جزيرة الصويرة مركزاً دائماً لحجر صحي خاص بالحجاج بموجب ظهير شريف أواسط القرن التاسع عشر. يذكر أن جزيرة الصويرة صخرة تبعد بحوالي كيلومتر واحد عن مرفأ مدينة الرياح التاريخي، هي بحوالي ستة وعشرين هكتاراً محاطة بجزر صغيرة تجعل من الموقع بسبع جزر، ذات إرث تاريخي قديم مع معالم أثرية جعلتها حاضرة عبر تاريخ المغرب فضلاً عما يطبعها من خصوصية ايكولوجية. وحول غنى الجزيرة ورد حديث عن اكتشاف عملة فضية وبرونزية أواسط القرن الماضي تعود للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر قبل الميلاد، مع بقايا مزهريات بكتابة “موغادورية” تعود لحوالي ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد تجعلها من أقدم أرشيف تاريخ المغرب. ويتأكد من خلال ما حصل بها من اكتشافات وبحث أركيولوجي أنها تحتوي بصمات حضارات قديمة. مع أهمية الاشارة الى أن الجزيرة تضم أيضاً سجنا قديما يعود إلى نهاية القرن التاسع عشر زمن السلطان مولاي عبد العزيز، كذا مسجداً تعلوه مئذنة تظهر من شاطئ الصويرة. وقد ورد في نصوص أجنبية أنها كانت محمية بواسطة مدافع قد تكون وضعت خلال فترة حكم السلطان سيدي محمد بن عبد الله، أزيلت من قِبل الفرنسيين عام 1844 لمَّا أجبر المغرب على اخضاع حجاجه العائدين من مكة لحجر صحي بها، بحيث عندما كان يتم الاعلان عن وجود حالة وباء أو وفاة بينهم كانوا ملزمين بالنزول فيها لمدة أسبوعين.









