سكان الريف خاصة، سكان كل مناطق المملكة الذين عانوا ولازالوا يعانون من الحيف والتهميش، ينتظرونك يا صاحب الجلالة.

[color=#3333cc]حراك الحسيمة..أو عراك أحزاب الأغلبية مع الريف[/color]

إن الشعوب الحية هي الشعوب التي تتحرك، لأن في الحركة بركة وصحة وسلامة، وركود الماء يفسده. وجل أحزابنا راكدة، بل لا حياة لمن تنادي منها، وركودها يفسد الحياة السياسية في وطننا؛ فهي تصطنع الحركة اصطناعا في مواسم الانتخابات لا غير، وبدل أن تقوم بنقد نفسها لإصلاح ذاتها ومسارها، لكون وظيفتها الدستورية كما تحددها المادة السابعة من دستور المملكة بالنص "تعمل الأحزاب السياسية على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين".

فهلا تكرمت الأحزاب الستة التي أظهرت "شجاعة منقطعة النظير" في تخوين جزء من الشعب المغربي واتهامه بتحريكه من قبل أعداء الوطن، وهي، بلا شك، لا تعرف عن الريف إلا ما تعلمته في مدارس أجنبية… ويكون من واجبنا أن نتساءل: هل أحزاب الأغلبية الحكومية، أو غيرها، أو أي جهة رسمية أخرى، قدمت للمغاربة حصيلة المصالحة مع الريف؟ وماذا تم بشأن جبر الضرر الجماعي؟ مع العلم أن مصالحة الدولة مع ماضي الانتهاكات في الريف لم تقنع الساكنة أبدا بجدية السلطة وإرادتها الفعلية في تجاوز سنوات التهميش والقمع الممنهج، وتسليط العقاب الجماعي على الساكنة التي لا ذنب لها إلا أنها حاربت الاستعمار!!

وإلى جانب عدم جبر الضرر الجماعي، ماذا تم في شأن الوعود بإدماج منطقة الريف في مشروع التنمية الوطنية المندمجة؟ هل مهمة أحزاب الحكومة تنحصر في اتهام من يطالب ببعض حقوقه في وطنه بالخيانة والعمالة للخارج فقط، وبلغة لا يمكن أن تنتمي إلى ما وعد به العهد الجديد ودستور 2011؟ وهل تعرف هذه الأحزاب وأمثالها أن من أسباب انهيار الدول ليس الظلم فقط، بل الذهول عن مقاصد السياسة المدنية؟.

ونحن نتساءل مع جميع المغاربة الأحرار، وجميع المنتسبين إلى علم السياسة وعالم الفكر والثقافة، هل لدينا في هذا الوطن العزيز أحزاب سياسية تقوم بتأطير المجتمع من أجل بناء غد أفضل، وفق ما نص عليه دستور المملكة، وطبقا لما هو متعارف عليه في كل الأنظمة الدستورية في العالم، أم لدينا مجرد أحزاب حزبية فقط، لا هم لديها إلا الحصول على مناصب السلطة وريعها بدون وجه حق، ولو على شرف هذا الوطن؟ وهل ينطبق على هذه الأحزاب فعلا قول أحد حكماء القرن العشرين "السلطة لا تفسد الرجال، إنما الأغبياء إن وضعوا في السلطة فإنهم يفسدونها". ثم هل يعاني مغربنا السياسي من نقص في عدد الأحزاب، أم يعاني من نقص وعجز عن تطبيق دور هذه الأحزاب في المجتمع حسب ما ينص عليه الدستور؟.

أما في ما يخص علاقة المسؤولين المركزيين والمحليين بساكنة الريف، بل بكل المنطقة، كنا نتمنى أن تزول تلك الغيوم الداكنة التي سُلطت على الريف وساكنته منذ الأيام الأولى التي استبشر فيها المغاربة، كل المغاربة في الجهات الأربع من الوطن، بشروق شمس الدولة الوطنية؛ دولة الحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة، والمساواة وتكافؤ الفرص، والإخاء والعيش الكريم، وقطع الطريق على المفسدين، وليس قمع طلاب تحقيق دولة الحق والقانون يا أحزاب المواسم الانتخابية، ويا حكومة تقوم بمعاقبة صغار المحتجين وتكافئ كبار الناهبين للوطن بالمناصب العليا، ثم تعلن للرأي العام دون خجل "عفا الله عما سلف".

ونرى من واجبنا، بصفتنا مثقفين يسكننا هم الوطن، ونتجاوب مع طموحات أبنائه إلى مستقبل أفضل، أن نتوجه إلى أهل الدراية والحكمة النافعة في وطننا بالسؤال عن أسباب الاحتقان شبه المستمر بين ساكنة الريف والسلطة منذ 1956 إلى يوم الناس هذا، على الرغم مما ساد الساكنة في العهد الجديد من أمل عظيم، منذ شهر شتنبر 1999، في زوال سياسة "المغرب النافع والمغرب غير النافع"، أو المغرب المنتفِع والمغرب المنتفًع به، ومنطق "التهدئة" أو "pacification" الذي جلبه معه الاستعمار، والقضاء على ريع "المغرب لنا لا لغيرنا"، الذي حوله البعض إلى ملكية خاصة دون عامة المغاربة.

ولازال أهل الريف يتساءلون عن من المقصود بشعار" لا لغيرنا"؟ لأنهم لم ينالوا حقوقهم في المغرب المستقل، وحين يقومون بالمطالبة بحقهم في وطنهم تنعتهم قيادات من أحزاب الحكومة، ومن الإعلام الأصفر، بما ليس فيهم، ولن يكون أبدا من شيمهم وقيمهم.

ونحن نخجل أن نعيد نشر تلك العبارات البذيئة التي لا تنتمي إلى ثقافة المواطنة المغربية، التي كنا نعتقد أنها ستكون عنوانا لحياتنا السياسية والحقوقية والقانونية في العهد الجديد؛ وليس أن يبرر بها قيادات أحزاب بأن الريف ليس وحده المهمش في المغرب.

هل هذا ذم واستنكار لمطالبة أهل الريف بحقوقهم المشروعة في العلاج من أمراض السرطان، الناجم عن دفاع ساكنة الريف والشمال عن سيادة الوطن، في الوقت الذي عمل البعض على أن يكون مجرد أداة في يد مستعمريه؟ وهل لا يحق للريف أن تكون فيه جامعة ومؤسسات ثقافية فاعلة ونافعة؟ وهل لا يستحق الريف وجود بنية تحتية تساعد على الاستثمار وخلق الشغل المنتج للثروة؟ وهل يحق لمتحزبين أن يقولوا في الإعلام الرسمي إن المطالب الاجتماعية في الحسيمة خرافة سرعان ما تبخرت، قبل أن يؤكد أحدهم في تفوهاته أن هناك "تطاولا على المطالب الاجتماعية من خلال القفز على الخط الأحمر لهذه المطالب بنفس انفصالي بكل ما تحمله الكلمة من معنى"، ويضيف زميل له في حزب آخر تفوها آخر يصف فيه الأوضاع في إقليم الحسيمة، حسب علمه الحزبي، بأنها "سرعان ما بدأت تعرف بعض الانحرافات، قادتْها مجموعة مسخرة من الخارج لم يفلح معها الحوار"، مؤكدا في تفوهه أن "كل العناصر تثبت أن أفراد هذه المجموعة منخرطون في مسلسل التمويل من الخارج من قبل خصوم الوحدة الترابية".. نقول لك: إذا كان الأمر كما تقول ما منعك من تحريك المسطرة القانونية في حقهم؟.

نعم ، قد يكون هناك بعض الشطط في تعبيرات بعض متزعمي الحراك، أو في إنشاء علاقات هنا وهناك.. وهذا شاذ وموجود في كل التحركات. غير أن هذا السلوك ليس من ثقافة أهل الريف، أو من شيمهم، كما يعلم العدو قبل الصديق. وهل تصرف قلة قليلة من الناس، إن وجدت، يبيح لأحزاب الأغلبية الحكومية أن تتهم الريف وساكنته بتهديد الوحدة الترابية؟ يبدو أن أحزاب الأغلبية الحكومية لا تعرف التاريخ السياسي للمغرب. ألم تكن هذه هي تهمة أحزاب الأغلبية الحكومية أيضا في 1958، لتبرير ضرب الريف والريفيين لصالح حسابات معينة.

يعرف المغاربة اليوم لفائدة من كان ذلك العدوان على الريف..والريف كما يشهد التاريخ قدم تضحيات جساما من أجل حرية هذا الوطن، سواء اعترفت الأحزاب بذلك أم لم تعترف؟ فالأمر يخصها، ولا يخص المغاربة الأحرار الذين يعرفون الموطن المركزي لشهداء الوطن.. ثم إن الذي لا ينطق إلا بالعيب فتلك أخلاقه.

وحينما يبرر بعض قادة أحزاب الحكومة والإعلام الداعي إلى تفكيك الوحدة الوطنية بما ينشر وما يروج بأن التهميش والبطالة ليس ظاهرة ريفية فقط، بل تشمل كثيرا من مناطق المغرب العميق وسكانه، دون أن يقوموا باحتجاج ضد السلطة وأحزابها، فهل هذه دعوة لسكان الريف لكي ينضموا إلى صفوف سكان المغرب غير المنتفع، أم دعوة لتلك الجهات، في المغرب العميق، لكي تتحرك بدورها للمطالبة بحقها من ثروة بلدها، وفي كل ما يخوله لها دستور مملكتها المغربية؟.

وفي الختام، نوجه شكرنا وتقديرنا لأصحاب الغيرة على هذا الوطن العزيز الذين عبروا بكل نزاهة عن تعلقهم بوحدة وطنهم الجغرافي والاجتماعي والسياسي والحقوقي.

وننتهز هذه الفرصة لنوجه نداءنا إلى صاحب الجلالة، محمد السادس: إن سكان الريف بخاصة، وسكان كل مناطق المملكة الذين عانوا ولازالوا يعانون من الحيف والتهميش، ينتظرونك يا صاحب الجلالة.

عن مثقفين يهمهما شأن هذا الوطن وسلامته.
[color=#cc3366]
*عضو منتدى محمد بن عبد الكريم الخطابي للفكر والحوار

*كاتب، عضو منتدى محمد بن عبد الكريم الخطابي للفكر والحوار[/color]

عبد الرحمن الطيبي*|علي الإدريسي**


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.